[accordion]
[item title="تمهيد:"]
لقد اختلف أهل السنة إلى مذاهب كثيرة في الفروع والأصول، كمذهب سفيان بن عيينة بمكة، ومذهب مالك بن أنس بالمدينة، ومذهب أبي حنيفة وسفيان الثوري بالكوفة، ومذهب الأوزاعي بالشام، ومذهب الشافعي والليث بن سعد بمصر، ومذهب إسحاق بن راهويه بنيسابور، ومذهب أحمد بن حنبل وأبي ثور ببغداد... وغيرها.
إلا أن أكثر تلك المذاهب انقرض بين الناس، وظلّت آراء أصحابها مدوَّنة في بطون الكتب عند أهل السنة، وبقيت من تلك المذاهب: الأربعة المعروفة، وهي(مذهب أبي حنيفةالنعمان، ومذهب مالك بن أنس، ومذهب محمد بن إدريس الشافعي، ومذهب أحمد بن حنبل.)
وهذه المذاهب صارت هي المذاهب التي عليها أهل السنة في كافة الأمصار منذ أن حُصر التقليد فيها إلى عصرنا الحاضر.
تعريف (المذهب) لغة واصطلاحا.
[/item]
[item title="(أ) تعريفه لغة :"]
المذهب لغة يطلق ويراد به شيئان مشهوران، وأولهما أشهر من الثاني:
1 - المكان الذي يذهب إليه.
2 - السير والمرور، فهو مصدر كالذهاب ويدلان على معنى واحد وهو السير والمرور. كما في لسان العرب في مادة: (ذهب / 1 / 393) والتعريف على مهمات التعاريف للمناوي (صـ 646) طبعة دار الفكر المعاصر.
وقد ورد هذان المعنيان في الحديث الشريف، الذي رواه أبو داود والنسائي وأحمد وابن ماجه والترمذي وصححه واللفظ له، عن المغيرة بن شعبة قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم حاجته فأبعد في المذهب)، أي: السير والمرور.
وفي رِوَايَةِ لأَبِي دَاوُدَ: ( كَانَ إِذَا ذَهَبَ الْمَذْهَبَ أَبْعَدَ )، أي: مكان قضاء الحاجة
ونقل الشيخ المباركفوري رحمه الله تعالى في تحفة الأحوذي عند شرحه للحديث المذكور عن الحافظ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ قوله: وَيُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا الْمَكَانُ الَّذِي يُذْهَبُ إِلَيْهِ.
وَالثَّانِي الْمَصْدَرُ ... أَيْ ذَهَبَ مَذْهَبًا.
وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَالَ بِهِ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ , وَجَزَمَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ.
وَيُوَافِقُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ أَتَى حَاجَتَهُ فَأَبْعَدَ فِي الْمَذْهَبِ , فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِيهَا أَنْ يُرَادَ بِالْمَذْهَبِ الْمَصْدَرُ ) اِنْتَهَى.
[/item]
[item title="(ب) تعريفه اصطلاحا :"]
المذهب في اصطلاح الفقهاء هو: ما استنبطه المجتهد من الأحكام الشرعية الاجتهادية المستفادة من الأدلة الظنية.
وهم بهذا الاصطلاح قد نقلوا المعنى اللغوي للفظ المذهب إلى هذا المعنى الاصطلاحي وصار حقيقة عرفية عندهم. فيقولون مثلا: مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: سنية الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية.
وغلب إطلاقه عند المتأخرين من أئمة المذاهب على ما به الفتوى في المذهب من باب إطلاق الشيء على جزئه الأهم، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم ( الحج عرفة ) رواه أحمد والترمذي وغيرهما.
قال العلامة ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى في: "تحفة المحتاج" ( 1/39): وأصله - يعني المذهب- مكان الذهاب ثم استعير لما يذهب إليه من الأحكام تشبيها للمعقول بالمحسوس ثم غلب على الراجح ومنه قولهم المذهب في المسألة كذا ) اهـ. أي الراجح فيها في المذهب كذا.
ووجه هذا النقل هو: أنه لما كانت الفروع الاجتهادية غالبا خفية بعيدة المنال شبهت إدارة الذهن لاستخراج حكمها بمن يذهب إلى المكان الحسي البعيد الذي يواجه الذاهب إليه مشقة وجهدا في العادة.
وقد يطلق مصطلح المذهب على غير الفروع الفقهية: كالمعتقد والسلوك فيقال في المعتقد: مذهب الإمام الأشعري رحمه الله تعالى: أن التأثير يقع عند السبب لا به، وقد تابع الإمام الأشعري رضي الله عنه على هذا القول أئمة ومنهم الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى؛ حيث قال في: "الموافقات" (1/ 314): (السبب غير فاعل بنفسه، بل إنما وقع المسبب عنده لا به، فإذا تسبب المكلف فالله خالق السبب والعبد مكتسب له) اهـ .[/item]
[item title="المذاهب الفقهية السنية :"]
تعود نشأة المذاهب الفقهية السنية إلى بداية الإسلام، و خاصة بعد وفاة رسول الإسلام محمد صلى الله عليه و سلم، حيث اجتهد صحابته و أتباعه و المسلمين عامة في تطبيق أقواله و أفعاله.
مع انتشار الإسلام و توسعه و تعرضه للكثير من القضايا الجديدة الدينية و التشريعية كانت هناك حاجة ملحة للخروج باجتهادات لهذه القضايا الفقهية المستجدة و تلبية حاجات الناس و الإجابة عن تساؤلاتهم و من هنا نشأت جماعة من المتفقهين (العالمين) في الدين تعلم الناس في كل إقليم شؤون دينهم و دنياهم .
إن التوسع الجغرافي للإسلام و تنوع البيئات التي انتشر بها ، و أيضا قابلية الكثير من النصوص الشرعية الإسلامية للاجتهاد فيها حسب الظروف و الحالات أديا إلى نشوء مدارس فقهية منتشرة في الأمصار الإسلامية ، و أصبح لكل عالم فقيه أتباع يعملون على نشر فتاواه و حتى العمل ضمن القواعد التي يضعها لإصدار فتاوى جديدة .
المذاهب الفقهية الأربع التي انتشرت بشكل و اسع عند اهل السنة و أصبحت رسمية في معظم كتبهم هي حسب ظهورها:
1. مذهب أبي حنيفة النعمان
2. مذهب مالك بن أنس
3. مذهب الشافعي
4. مذهب أحمدبن حنبل
وهذه المذاهب ما هي إلا مدارس فقهية، إتفقت في الأصول، و إختلفت في الفروع. ولا يوجد بينها اختلاف فيالعقيدة، كما أن هناكمذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربعة لكنها لم تنتشر ويحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة. و منها على سبيل المثال: المذهب الظاهري و مذهب الأوزاعي و مذهب الليث بن سعد و غيرهم.
يعد المذهب السني أكثر المذاهب الإسلامية أتباعا وسعة انتشار، حيث يبلغ عدد متبعيه حوالي 90% من مسلمي العالم [3]. كما يعد المذهب الرسمي لمعظم الدول الإسلامية اليوم وقديما كان المذهب الرسمي للعديد من دول الإسلام السابقة شرقا وغربا، فعلى سبيل المثال اعتمدت الدولة العثمانية المذهب الماتريدي السني كمذهب رسمي كما اعتمدت المدرسة الحنفية كمصدر لأحكام وتشريعات الدولة، مع االاعتراف بالمذاهب الأخرى وتعيين قضاة ومدرسين لها.
وأهل السنة والجماعة يمتدون على مساحات شاسعة من العالم ، ولا تنحصر طائفة أهل السنة و الجماعة في منطقة معينة أو عرق معين أو دولة معينة كما يحصل مع الطوائف الأخرى المنتسبة للإسلام ، فهم في اقليم سينجيانج في الصين وعند حوض الفولجا في روسيا وفي القارة الهندية و أندونيسسيا و صحراء أفريقيا و غابات نيجيريا والجزيرة العربية وفي منطقة البلقان في أوروبا ...الخ ، فلا مجال لتعداد أماكن تواجدهم. و يمكن القول أن أهل السنة و الجماعة هم الغالبية الساحقة في دول العالم الإسلامي والتي هي خمسين دولة باستثناء إيران و أذربيجان وفي البحرين و العراق. أهل السنة والجماعة عددهم يصل إلى ما يقارب مليار وربع المليار نسمة.
[/item]
[/accordion]